| فلسطين في الذاكرة | سجل | تبرع | أفلام |
نهب فلسطين | إبحث | بيت كل الفلسطينيين على شبكة الإنترنت |
English Version | ||
| الصفحة الأولى | صور | خرائط | تاريخ شفوي | حق العودة 101 | نظرة القمر الصناعي | أعضاء
الموقع |
الصراع للميتدئين | إتصل بنا | من نحن |
| من نحن |
| خرائط |
| مخيمات اللجوء |
| أريحا |
| بئر السبع |
| بيت لحم |
| بيسان |
| جنين |
| حيفا |
| الخليل |
| رام الله |
| الرملة |
| صفد |
| طبرية |
| طولكرم |
| عكا |
| غزة |
| القدس |
| نابلس |
| الناصرة |
| يافا |
| سجل الزوار |
| إبحث |
| القمر الصناعي |
| سجل |
| تبرع |
| إتصل بنا |
| روابط مفيدة |
| مجدل الصادق بقلم الحاج محمد خالد عمر شارك في تعليقك (11 تعليقات) |
أرسل لصديق
العودة إلى مجدل يابا/الصادق |
مشاركة khalid في تاريخ 11 كنون أول، 2007
مجدل يابا
(مجدل الصادق)
إعداد وتأليف:
الأستاذ محمد خالد عمر ( أبو خالد)
ليسانس لغة عربية وآدابها
مراجعة لغوية وتقديم
هالة ذياب قزع
الإهداء
أهدي هذا العمل المتواضع والوصف الذي جادت به الذاكرة لكلّ مخلص لدينه وأرضه.....
أهديه لأرض فلسطين والمسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين
ولكل شاب وشابة حتى لا ينسى....
محمد خالد عمر
التقديم:
الحمد لله على نعمائه، والشكر له على آلائه، وصلاته وسلامه على الصفوة من أنبيائه، وعلى آله وصحبه وأوليائه، أما بعد:
كثيراً ما كنت أسمع عن قريتي وموطني الأصلي من هنا وهناك، وأصدقكم القول لم يهزّني الحنين ولا الشوق إليها، فقد ولدت وترعرعت بعيدة عنها، لا أعرف منها سوى الاسم، ولكن ما إن قرأت هذا الكتاب حتى وجدتني أقف افتخاراً واعتزازاً، فهذا الكلام المليح حرّك فيّ المشاعر الدفينة، فجّر العواطف المخبوءة، وهدهد الخاطر الحزين......
هذه الكلمات الملتهبة، المؤثرة، الصادقة، تحسّ بطعمها وحرارتها وتأثيرها تعبّر أصدق تعبير عن معاناة كاتبها والتياعه، عن شوقه ولهفته وحبه.
فأول ما يلفت القارئ هذا الحب الشديد والوله وحس الانتماء، الذي يغلف سطور الكتاب، ثم ما يتمتع به الكاتب من ذاكرة قوية على الرغم من مضي السنين الطويلة التي ما استطاعت أن تمحو من مخيلته جمال وبهاء تلك القرية، وذكريات الطفولة.
تحسّ من خلال كتابته ووصفه الدقيق أنك أمام مشاهد حيّة، تمرّ بك، تتحفك إلى حد الدهشة وتعبر بك أزماناً ومسافات، ولكنها ما تلبث أن تضعك أمام واقع حيّ مرير، فقد درست المنازل، وبادت الحدائق، وفنيت الأموال، وهلك الرجال، ثم سرعان ما ترى بصيص الأمل يلوح في الأفق، فالذكرى ما تزال خالدة في العقول والقلوب، لا تفتأ تحرك الأحاسيس وتشعل الوجدان وتشحذ الهمم، فيبقى الإنسان دائماً في اندفاع وتوثب، لا يهدأ له بال ولا يقرّ له قرار حتى ينال مطلوبه ويجد مرغوبه.
حقا لا بدّ أن ينصهر قلبك بحب ما تصبو إليه، ويضطرم فؤادك بقضيتك وتتألق نفسك بمرادك، تفكراً وتأملاً ومعايشة، عندها ستحلّ قضيتنا ونسترد أرضنا المسلوبة.
فالهدف السامي من تأليف الكتاب هو تعريف الأجيال بقريتهم، برسم صورة واضحة تقرّ في الأذهان، بالكلمات الصادقة المعبرة حيناً، وبالصور حيناً آخر، يساهم في تحفيز الأجيال الصاعدة على القيام بما لم نقدر عليه، راجين أن يكون النصر على أيديهم ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده﴾.
هي فكرة جيدة تروق لي، وأرجو من كل من يملك هذه المهارة في الكتابة والتذكر أن يكتب عن بلده أو قريته، يصفها وصفاً دقيقاًًًًً معبراً، فتغدو شاخصة للعيان، وتخلد في الأذهان، آملين أن تحرك الأجيال فيهبوا لنصرة الأوطان، بإذن الواحد الديان.
هالة ذياب قزع
التعريف بالكاتب:
لا بدّ لكل قارئ أو مطلع أن يتعرف على صاحب المعلومة التي يود الاطلاع عليها ولهذا فإنني أقدم نفسي وقليلاً من سيرة حياتي لمن سيقلب هذه الصفحات ويطلع على ما تحويه من معلومة ووصف لقرية (مجدل يابا) .
لقد كان مولدي ومسقط رأسي على أرض هذه القرية سنة ألف وتسعمائة وسبع وثلاثين، وعند بلوغ السن القانوني للدراسة دخلت مدرسة القرية الابتدائية، حتى توصلت إلى ما يقرب من أربعة أشهر في الصف الخامس .
كانت كلها أيام طفولة بحلاوتها وبساطتها، ألهو مع أقراني وأصحابي، حتى أغلقت المدارس في فلسطين أبوابها بسبب شدة الأحداث, وبعد حلول النكبة وهجرة السكان انتقلت إلى إحدى القرى الشرقية المجاورة لقريتي، كانت هذه القرية محرومة من وجود مدرسة فيها، فانقطعت عن الدراسة مدة سنتين التحقت بعدها بمدرسة قرية قريبة، ودخلت الصف السابع متخطياً ما يقرب من السنتين الدراسيتين، ثم تابعت الدراسة الثانوية في إحدى المدارس والتحقت بعدها بدار المعلمين التي كانت فترة التعليم فيها سنة واحدة.
تخرجت من دار المعلمين سنة 1955 وعينت مديراً لبعض مدارس وكالة غوث اللاجئين المتواجدة في الغور الشمالي للأردن، والتي كانت تتبع آنذاك لمحافظة إربد.
بقيت أتنقل في هذه المدارس مدة ست سنوات، حتى انتقلت إلى منطقة نابلس وعملت في بعض مدارس مخيماتها.
في عام 63/64 التحقت بجامعة بيروت العربية التي كانت فرعاً لجامعة الاسكندرية في ذلك الوقت، وتخرجت منها في عام 1967 عند حلول ما سمي بالنكسة.
بسبب النكسة وما حلّ بالسكان من تشريد وطرد وخوف، كان نصيبي من اللجوء الثاني مدينة الزرقاء، حيث بعض الأقارب، فعملت في مدارس مخيمها حتى سنة الاستقالة.
في سنة 1996 تقدمت بالاستقالة وتفرغت للعبادة وقليل من العمل التطوعي في الخدمة الاجتماعية.
وخلال هذه السنوات التي تلت الاستقالة كانت تراودني فكرة التعريف بقريتي، قبل أن تخبو الذاكرة بعد أن شاهدت معظم جيلنا يلتحق بالرفيق الأعلى الواحد تلو الآخر.
أردت أن أعرّف الجيل الصاعد والأجيال اللاحقة من أهلها بمسقط رؤوس آبائهم وأجدادهم.
هذا وأرجو من القارئ الكريم إذا وجد ضعفاً أو ركاكة في التعبير ونظم الأبيات، أو خطأ في دقة المعلومات أن يتذكر أن كاتبها يضع رجله في هذا الوقت على عتبة باب السبعين فيعذره و يغفر له كل هفوة ولله دوام البقاء.
أخوكم محمد خالد عمر
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، الذي خلق الإنسان من طين، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وقد حبّب إليه الإيمان والحفاظ على الأوطان، أحمده سبحانه وتعالى الذي عمّرني بهذه السنوات التي تطل على السبعين، و حفظ لي حسن الذاكرة والصلاة والسلام على حبيبنا محمد بن عبدالله، النبي الأمي الأمين، الذي أوصانا بمتانة العقيدة، وحب العلم و الجهاد، لنشر رسالته والحفاظ على الأوطان، والدفاع عن الأرض والمقدسات عند تعرضها لمداهمة الأعداء.
فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا اعتدي على أرض المسلمين تخرج المرأة دون إذن زوجها، والولد دون إذن أبيه والعبد دون إذن سيده" أوكما قال : هذا الخروج الذي لايسمح به شرعاً إلا في مثل هذا الموقف.
لقد تعرضت الأرض للاعتداء وغزو الأعداء وخاصة أرض فلسطين التي اغتصبت واستبيحت من قبل اليهود، فشرد أهلها وهجروا إلى خارج مساكنهم وأنا من بين من هجّر قسراً بعد اغتصاب مسقط رأسي قرية (مجدل يابا) مع أهلي وسكان معظم المدن والقرى الفلسطينية.
طال بنا الحنين إلى تلك الأرض، وطالت الغربة وكبر السن، فوجدت شعوراً ينتابني ويدفعني إلى تعريف الأبناء والأحفاد بتراب مسقط رؤوس آبائهم وأجدادهم، مما ألهمني به الله من بقايا الذاكرة.
رأيت أن أعرفهم بقريتهم لتبقى قلوبهم معلقة بها ينقلون هذه المعرفة إلى أبنائهم، ومن سيلحق بهم إن طالت الغربة التي نرجو أن لا تطول.
تدافعت الأفكار في ذهني من أين أبدأ ؟ كيف أرتب الكتاب؟ فاهتديت إلى ترتيب هذا الكتاب في أبواب أدخل بها إلى فصول.
هذا التعريف والوصف يحتاج إلى صور وخرائط، فاستعنت بذاكرتي لرسم مخطط للقرية وكأنها شاخصة أمامي، مشيراً فيها إلى الحارات والأزقة والمواقع البارزة الهامة, كما سأتطرق إلى السكان وحياتهم في ذلك الوقت.
أخي القارىء: أقدم لك هذا الجهد المتواضع بعد أن فكرت ملياً دون أن أستعين بأحد، ولا أدعي الكمال في كل ما ذكر، فالكمال لله وحده.
ولكل من أراد أن يزيدني معرفة وتعريفاً فله الشكر على الاتصال بي، ولا أرفض أي نقد لما ذكرت.
وأخيراً فإنني أرجو المعذرة من أمير الشعراء أحمد شوقي الذي استعنت بأمثال من سينيته المشهورة لتطابق ما حصل للعرب المسلمين في الأندلس وما حصل لفلسطين وأهلها.
والله من وراء القصد
أخوكم البار بوطنه ودينه
محمد خالد عمر(أبو خالد)
الزرقاء ؟الأردن 15-5-2007
تمهيد:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
لقد من الله علينا بنعم كثيرة لا نستطيع لها عداً ولا حصراً، وفي قمّتها نعمة الإسلام ومن هذه النعم نعمة العقل الذي ميز به الإنسان عن باقي المخلوقات، وأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أول ما أمر بكلمة (اقرأ) فالقراءة هي من أهم وسائل المعرفة والتعلم.
بهذا التعلم والعلم والمعرفة وصل الإنسان إلى الاكتشافات والاختراعات الحديثة التي لم ينعم بها سلفه، ولا نريد أن نتطرق إليها جميعها، وإنما أشير إلى ما توصل إليه بما يسمى( شبكة الانترنت) التي أصبحت خزانة واسعة لجميع أنواع العلوم والمعارف فاتحة أبوابها لكل من أراد أن يغرف منها من أي علم أو فن أو معرفة، حتى وإن أراد أن ينقل إلى غيره أو يُنقل إليه أو يتواصل مع أي فرد كلاماً وصورة، ولكن للأسف ليس كل ما بداخلها عسلا ففيها المر، والمالح، والفاسد، حيث أنها منبر لكل من أراد أن ينقل أفكاره ومبادئه الخاصة به، أو سموماً يبثها في عقول خصومه، أو دعاية شخصية لذاته، إذن يترك الأمر والاختيار للمطلع والمشاهد لهذه المعلومات أن يستعين بما أعطاه الله من عقل بمصادر نظيفة طاهرة خالية من التلاعب في العقول ويقارن بعقله بين الغث والسمين، الصالح والطالح.
ومما حفزني على الكتابة ما عثرت عليه في هذه الشبكة بين المواقع المتعددة موقع قريتنا (مجدل يابا) فشاهدت عليها أعمال من صوّر ومن كتبَ فخصصتهم بالشكر وهم غياب؛ لأن عملهم هذا مدفوع بحب قريتهم وبلدهم ليبرزوها معلماً وموقعاً هاماً على أرض فلسطين السليبة، حتى تبقى خالدة في الأذهان والنفوس، يغزو حبها قلوب الأجيال اللاحقة الذين لم ينعموا بطيب الحياة على أرضها، عاملين على تحريرها وتطهيرها من دنس المغتصبين ولتبقى رواية وقصة لهم يتناقلونها جيلاً بعد جيل، حتى يأتي الله بالنصر والفتح العظيم، فتح يعيد الأرض لأهلها بعد أن تكون قلوبهم قد ملأها الإيمان بالله، والعزيمة على الجهاد، والأخذ بأسباب النصر إن شاء الله.
لقد لاحظت وأنا أتصفح ما كتب وما رسم من خرائط ما يحتاج إلى كثير من الدقة والموضوعية والإشارة إلى أمور أكثر أهمية، فحاولت بما أعانني به الله أن أضبط أو أضيف كثيراً من المعلومات، راجياً مرة أخرى من كل من كتب أو تطرق لشيء من المعلومات والخارطة أن يعتبر إعادتي هذه توضيحاً وزيادة بما يعود بالنفع والخير على الجميع، وأشهد الله أني أبتغي فيه وجهه الكريم ، والله الموفق.
الباب الأول:
1- أول بنائها وتسميتها
2- الموقع الجغرافي
3- حدودها
4- طرق المواصلات
5- الموقع التاريخي
أول بنائها وتسميتها:
كانت الأمم والشعوب في الأزمنة القديمة تختار مواقع سكناها في أماكن مرتفعة لمشاهدة الغزاة والمحاربين، أو لتكون قريبة من مصادر المياه أو البحار، أو السهول الصالحة للزراعة أو غير ذلك، كل هذه الاختيارات المتميزة كانت من نصيب هذا الموقع، أي موقع هذه القرية.
عندما غزا الامبراطور اليوناني الاسكندر المقدوني أرض مصر وبلاد المشرق العربي وجد في هذه التلة التي تشرف على البحر الأبيض المتوسط مع توفر المياه، موقعاً جيداً لبناء حصن يؤمن له السيطرة على معظم الطرقات، فأقام قلعة عظيمة على هذه التلة وأطلق عليها (مجدل ياﭬا) حيث حرفت أخيراً إلى( مجدل يابا) وكلمة المجدل تعني في لغتهم (برج) ومن المحتمل ان هذه التسمية تعني (برج ياڤا) حيث أنه كان قريباً من مدينة يافا الساحلية ويشرف عليها.
انظر صور البرج(القلعة) من جوانب متعددة

البرج من الجهة الجنوبية

البرج من الجهة الشرقية

البرج من الجهة الغربية
|
بقي هذا البرج شاهداً على آثارها على مدى فترات التاريخ، والذي تعرض طيلة هذه الفترات إلى كثير من الأحداث، ومن الدلائل على عمارتها في حقب التاريخ القديم كثرة المغارات في الجزء الشمالي منها في طرف الحارة الشامية.
أما تسميتها (مجدل الصادق) فقد تعرضت القلعة للخراب في عصر متأخر في التاريخ وبقيت مهجورة كباقي الآثار القديمة من الحصون والقلاع في الوطن العربي، إلى أن لجأ إليها رجل يدعى الصادق مع أسرته، فسكنها وأقام فيها وخلفه من بعده ذريته فأطلق عليها جيرانها هذا الاسم (مجدل الصادق) وعرفت بعد ذلك بهذين الاسمين.
ثم شاركه فيها آخرون قدموا من قرى بعيدة أو مجاورة لها، وتوسعت وعمرت من جديد إلى أن سقطت في أيدي اليهود فأصابها الخراب والهجران مرة أخرى والذي سنشير إليه في موضعه من هذا الكتاب.
الموقع الجغرافي:
إذا نظرنا إلى خارطة فلسطين ودققنا النظر فإننا سنشاهد موقع القرية في الوسط الغربي من هذه الخريطة، يمر بها خط العرض 32:04 شمال خط الاستواء وخط الطول 34:57 شرقاً، وتقع على تلة مرتفعة قليلاً عن سطح البحر بحوالي مائة وثلاثة عشر متراً (113) أو 339 قدماً، تشرف على السهل الساحلي، وترمق البحر بعينها الذي لا يبعد عنها أكثر من عشرة كيلو مترات، كما تبعد عن منبع نهر العوجا كيلو مترين اثنين.

رسم توضيحي يبين موقع القرية على الخارطة
هذه التلة وهذا الموقع يفصل السهل الساحلي عن المنطقة الجبلية التي تبدأ من أطرافها الشمالية والشرقية والجنوبية التي تمتد شرقاً حتى تصل غور الأردن.
كانت في زمن حكومة الانتداب البريطاني تتبع قضاء الرملة الذي هو ضمن لواء اللد، حيث كانت فلسطين تقسم آنذاك إلى ثلاثة ألوية: لواء الجليل، ثم لواء السامرة، فلواء اللد، وجميع المعاملات الرسمية للسكان كان تخليصها في مدينة الرملة.
حدودها:
إذا أردنا أن نتتبع حدود القرية فلا بد لنا أن نتطرق إلى ذكر المدن والقرى والخرب التي تحيط بالقرية، وأن نعرج على طرق المواصلات الرئيسية والفرعية وسكك الحديد.
تحدها مدينتا اللد والرملة من الجنوب، ومن الغرب مدينة يافا التي لا تبعد عنها أكثر من عشرة كيلو مترات، أما مدينة اللد والرملة فحوالي سبعة عشر كيلو متراً، أما من الشمال والشمال الغربي، فمدن قلقيلية وطولكرم وحيفا، ومن الشرق تطل على مدينة رام الله، حيث كانت تشاهد منها أعمدة إذاعة فلسطين آنذاك.
أما القرى التي تحيط بها فهي قرية (فجة) ومستوطنة (بتاح تكفا) من جهة الغرب وقرية (المزيرعة) من الجنوب، ومن الشرق قرى (دير بلوط)
و( الزاوية) و( رافات) ومن الشمال قرية (كفر قاسم).
كما يتبع قرية (مجدل يابا) كثير من الخرب ذات الآثار القديمة التي كانت مأهولة في أزمان التاريخ ببني البشر، ولكنهم رحلوا عنها، فأين من بنى وشيد على ظهرها وعمرها بحضارته؟ أين من ساد ثم باد؟ لقد طحنهم الثرى بكلكله، ثم مزقهم بطوله، وأصبحت بيوتهم خاوية تعمرها الذئاب العاوية بسبب ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
من هذه الخرب التي تحيط بالقرية ولا يزال اسمها محفوراً في ذاكرة السكان، وآثارها أمام العيون، خربة(ذِكْرين) من الجنوب، ومن الغرب قلعة رأس العين التي سنأتي على ذكرها بتعريف أوسع، ومن الشمال خربة (سرطة) أما من الشرق فالخرب كثيرة حيث المنطقة الجبلية منها: خربة (أم التينة) وخربة (أم البرّيد) وخربة (مسمار) و( قُرنة الحرمية) ثم خربة (أم الحمّام).
كانت هذه الخرب متقاربة جداً مما يدل على كثافة السكان في فلسطين مدى فترات التاريخ فسبحان الله القائل ﴿وما عمروها أكثر مما عمروها﴾ صدق الله العظيم.
يطلق على القرى الممتدة من اللد جنوباً إلى قرية مجدل يابا شمالاً
( العرقيات) لأنها تقع على عرق المنطقة الجبلية التي تربطها بالسهل الساحلي.
ومما تمتاز به القرية نهر العوجا الذي ينبع من رأس العين التابعة للقرية إذ تتجمع الينابيع في جداول لتكون النهر الذي يجري إلى الغرب ليصب في البحر الأبيض المتوسط إلى الشمال من مدينة يافا، يمتاز هذا النهر بمياهه العذبة الصالحة للشرب، ولري المزروعات على جانبيه، وبسبب عذوبة مياهه فقد مدت حكومة الانتداب أنابيب ضخمة لتضخ من إحدى ينابيع النهر والتي كانت تسمى (عين مريم) ما تروي به مدينة القدس عاصمة فلسطين الحبيبة وقد امتدت هذه الأنابيب لعشرات الكيلومترات حتى تصل إلى أفواه الشاربين.


صورة جوية لمنبع نهر العوجا
أقامت حكومة الانتداب بالقرب من هذا المنبع معسكرات لجنودها على أراضي القرية وبعض أراضي القرى المجاورة، كانت قد وضعت يدها عليها اغتصاباً وبحكم قوانين الاحتلال الجائر.
مناخ القرية حار قليلاً صيفاً ومعتدل شتاء، كثيرة الأمطار، تصل أمطارها إلى نسب عالية جداً، تهب عليها الرياح الغربية والجنوبية الغربية المحملة بالأمطار.
طرق المواصلات:
تقع القرية في منطقة تصلها شبكة كبيرة من المواصلات الرئيسية والفرعية فهي ملتقى طرق حيث يربطها بمدينتي اللد والرملة ومطار اللد، طريق رئيسي يتجه نحو الجنوب، وطريق يلتقي مع ذلك الطريق السابق ليصل القرية بمدن يافا وتل أبيب غرباً حيث يمر بقلعة رأس العين، ومن رأس العين يتجه شمالاً إلى مدن قلقيلية فطولكرم ثم حيفا حتى شمال فلسطين ويدخل إلى لبنان.
وفي رأس العين أي في أرض القرية محطة للقطارات التي كانت من أهم المواصلات في فلسطين القادمة من الشمال والمتجهة إلى مدينة اللد، ثم تصل وتدخل الحدود المصرية جنوباً، ومن رأس العين يذهب فرع آخر ليتجه غرباً ويصل مدينة يافا.
كانت هذه الشبكة من أهم وسائل نقل البضائع والمعدات من الشمال إلى الجنوب وبالعكس.
أما الطرق الفرعية فكانت غير معبدة، وكانت وسائل النقل عليها بواسطة الدواب تصلها بقرية كفر قاسم والقرى الشرقية.
يسير على جانبي القرية من الشمال والجنوب واديان عظيمان، الشمالي يسمى
( وادي رباح ) والجنوبي ويطلق عليه ( أبو لجة) ينحدران من المنطقة الجبلية شرقاً وتتوسطهما القرية ويدخلان إلى السهل الساحلي وهما يحملان المياه الغزيرة التي تمدهما غزارة الأمطار على تلك الأرض حتى أنهما كانا يتسببان بالفيضانات على الأرض الواقعة على أطرافهما، يتجه هذان الواديان غرباً ليصبا مياههما في البحر الأبيض المتوسط.
كانت القرية تملك رقعة كبيرة من الأرض تقدر بحوالي (26632) دونماً في المنطقة السهلية الخصبة، بالإضافة إلى آلاف الدونمات في المنطقة الجبلية التي كانت أراضي أميرية يطلق عليها اسم (مشاع).
الموقع التاريخي:
ذكرنا سابقاً أن البرج بني على تلة مرتفعة قليلاً تطل على السهل غرباً والجبل شرقاً وتشرف على مدينة يافا ومينائها على البحر الأبيض المتوسط كما أنها كانت عيناً لمراقبة الجيوش الغازية التي تأتي من الشمال إلى الجنوب وبالعكس، والسيطرة على القوافل التي تسلك السهل الساحلي، هذا الموقع الهام استراتيجياً كما يسمى في الوقت الحاضر، بالإضافة إلى توفر المياه التي يزخر بها نهر العوجا، جعل القرية مهوى سيطرة القادة والجيوش حتى يكون أعداؤهم تحت مراقبتهم، كما كانت تشاركها الأهمية قلعة (رأس العين) والتي يقال إن الامبراطور الروماني (هيرودوتس) هو الباني لها في زمن ميلاد المسيح عليه السلام، هذا الموقع وأهميته جلب لها الويلات في جميع فترات الحروب في التاريخ واستيلاء الغازين عليها، فكانت تتمتع بعمارة السكان تارة، وبالخراب من الأعداء تارة أخرى، متوارثة تاريخها القديم حتى وقتنا هذا.

قلعة راس العين علـى منبع نهر العوجا
ولا أريد أن أتوغل في تاريخها القديم كثيراً، وإنما أحب أن أعطي للقارىء حادثتين تاريخيتين مختصرتين، الأولى كانت بعد سقوط الدولة الأموية واستسلام بلاد الشام ومنها فلسطين إلى الجيش العباسي في زمن الخليفة أبي جعفر المنصور، إذ يحكى أن قائده على بلاد الشام عمه عبد الله بن علي جمع سادة ووجهاء فلسطين في وليمة أقيمت في قلعة رأس العين على نهر العوجا ليشعرهم بالنصر عليهم والحصول على ولائهم، وقبل أن يتناول المدعوون الطعام، دخل عبد أسود وألقى قصيدة بين يدي عبد الله بن علي جاء فيها:
لا يغرنك ما ترى من رجال إن تحت الضلوع داء ثوياً
حكّم السيف والنطع حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا
وكما يروي التاريخ أن القائد دخل خيمته متجهماً فهمس أحد المدعويين في أذن جاره: والله لقد قتلنا العبد الأسود، ثم أمر القائد بقطع رؤوسهم قبل أن يتناولوا طعام الضيافة.
أما الأخرى ففي زمن الحروب الصليبية والحملات المتوالية على بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة التي تعرضت لاستيلاء الصليبيين عليها، ولكن عندما قدم صلاح الدين لتحرير البلاد المقدسة من شرهم ووصل إلى حصار عكا أرسل قواده لفتح الحصون المجاورة فكان نصيب القرية أخاه الملك العادل، الذي توغل في السهل واحتل يافا ثم حصن المجدل، وبقي هذا الحصن في حوزة المسلمين، ولكن لأهميته كان الصليبيون يحاولون الكر عليه مرات ومرات وهو يستعصي عليهم، حتى أن ريكاردوس (قلب الأسد) بعد أن خفت مشاكله قليلاً عاد ليوجه الضربات ضد المسلمين، فاستولى على قلعة الداروم
(دير البلح) عام 1192 ثم توجه نحو حصن المجدل، وحاول الاستيلاء عليه
ولكن المسلمين ردوه مع جيشه خائبين بعد أن أنزلوا بهم خسارة فادحة.*
*لاحظ أخي القاريء أهمية هذا الحصن في عقول الغزاة وذلك لتوجه ريكاردوس إليه بعد دير البلح مباشرة بالرغم من بعد المسافة.
الباب الثاني
يتطرق هذا الباب إلى
1-السكان
2-الحارات
3-رسم تقريبي للقرية
السكان:
لا نريد البحث في عدد سكانها في فترات التاريخ، حيث أن عددهم كان يتفاوت بين مد وجزر بسبب الازدهار أحياناً، والأخطار والويلات أحياناً أخرى، ولكن بعد سكناها وهي قلعة خربة من قبل الصادق، بدأ عدد السكان يتنامى ويزداد إلى أن وصل قبل احتلالها عام 1948 إلى ما يقرب من ألفي نسمة جميعهم عرب مسلمون.
من أراد الدخول إلى القرية فعليه أن يطرقها من الطرف الغربي بطريق معبدة، أما الجهات الأخرى فبواسطة طرق ترابية تحيط بها من باقي الجهات.
هناك شارع رئيسي يمر بها قادم من زاوية انحراف الطريق القادم من اللد والرملة، وينحرف غرباً إلى رأس العين، وينطلق هذا الشارع شرقاً ليقسمها إلى قسمين، ثم ينتهي بعد خروجه من القرية بطرق ترابية لا تعبرها إلا وسائط النقل بالحيوانات، وينتهي حيث توجد الكسارات ومعامل الكلس التي تصلها سيارات نقل الحجارة ونتاج الكسارات.
نعود مرة أخرى إلى القسمين الحاصلين بمرور الشارع الرئيسي لنذكر ما فيهما من حارات، وسكان، ومجمعات يسمى الواحد منها( حوش).
القسم الشمالي:
يطلق على هذا الجزء( الحارة الشامية) أي الشمالية، وتسكن هذه الحارة العائلات التالية مع ذكر الأماكن التي قدموا منها:
1- عائلة (آل عمر) الذين كانوا يشكلون العدد الأكبر من سكان هذه الحارة، وقد قدم جدهم من قرية ترقوميا قضاء الخليل ولا تزال جذور أجدادهم فيها حتى الآن.
لهم ديوان خاص بهم يسمى ديوان آل عمر يجتمع فيه رجال العائلة مساء بعد عودتهم من أعمالهم ليأخذوا قسطاً من الراحة، ويتبادلوا أحاديث السمر، كما كان يفد إليهم بعض رجال العائلات الأخرى يشاركونهم ليالي سمرهم.
كان هذا الديوان ملجأ يجد فيه الغرباء الذين تتقطع بهم السبل بسبب انعدام المواصلات ليلاً، مكاناً يقضون فيه ليلهم، وينالون ضيافة الطعام والشراب.
2- عائلة السلع وهم جيران آل عمر وأكثر قرباً منهم، قدم جدهم من قرية دير غسانة قضاء رام الله.
3- عائلة أيوب قدم جدهم من قرية شويكة قضاء طولكرم.
4- عائلة عليان تعود جذورهم الى مدينة معان.
5- عائلة الرياحي قدموا من قرية رنتيس قضاء رام الله.
6- عائلة الأقرع (شما) قدموا من قرية قولة قضاء الرملة.
7- عائلة الدقروق قدموا من قرية سلفيت قضاء نابلس.
8- عائلة أبو صفية قدموا من قرية دير غسانة قضاء رام الله.
9- عائلة العجلة قدموا من قرية كوبر قضاء رام الله.
10- عائلة أبو ربيع قدموا من قرية سلفيت قضاء نابلس.
11- عائلة حجازي
12- عائلة أبو كاملة والمدني
إذا ذهبنا إلى الجهة الشرقية من القرية والتي تقع على طرفي الشارع الرئيسي، نجد أن ساكنيه هم عائلة (ضمرة) حتى أنها كانت تسمى باسمهم لا يشاركهم فيها أحد.
قدم جدهم من قرية المزارع قضاء رام الله، وكانوا ينتهجون إحدى الطرق الصوفية لذا كان لهم مكان يجتمعون فيه يقيمون صلواتهم ومجالس الذكر وتلاوة الأوراد على ضرب الطبل والصنج الذي كانوا يسمونه (الكاس) وذلك على طريقتهم الخاصة.
وهذا المكان كان يسمى ( الخلوة).
القسم الجنوبي من الشارع:
كان يقسم إلى أحياء متلاصقة، وفي وسطه توجد القلعة (البرج) على الربوة المرتفعة وكانت تسكن هذه الأحياء العائلات التالية:
1- عائلة ريان: كانوا يقيمون في داخل البرج وعلى أطرافه الملاصقة له، وقد قدم جدهم من قرية (جماعين) قضاء نابلس، وكانوا يشكلون العدد الأكبر من سكان الوسط، ويحكى أن قسماً منهم قدم من قرية (السلوخ) قضاء رام الله. لهم ديوانان، ديوان (سالم) وديوان (دار محمد).
2- عائلة العابد: يشكلون الترتيب الثاني من حيث العدد بعد ريان، قدموا من قرية (عينبوس) قضاء نابلس، وفي طرف حيهم الشمالي كانت المطحنة التي كان يملكها أحد أفرادهم، وكان لهم ديوان خاص بهم.
3- عائلة الخطيب: كانوا يجاورون آل العابد من الغرب وقد قدموا من قرية ( بيت ريما)، حتى أن واحدهم كان يطلق على نفسه بالريماوي، ومنهم شيخ الطريقة الشاذلية التي كانت الطريقة الصوفية الثانية في القرية.
لهم مكان يجتمعون فيه مع أتباع طريقتهم يسمى (الزاوية)
4- عائلة سمارة: قدموا من قرية (رنتيس) قضاء رام الله، وبينهم وبين الرياحي صلة قرابة.
5- عائلة الساحلي: قدموا من قرية (رنتيه) قضاء اللد، وكانوا بجوار العابد والخطيب.
الحارة القبلية:
سميت بهذا الاسم لأنها تقع في الطرف الجنوبي من القرية، أي من جهة القبلة
وكانت تسكنها العائلات التالية:
1- عائلة حميدان: الذين كانوا يشكلون العدد الأكبر من سكان الحارة، وقد قدم جدهم من قرية (برفيليا)، لهم ديوان خاص بهم يجتمع فيه معظم رجالات الحارة، وكان بعضهم يعتني بتربية الأغنام.
2- عائلة قزع: جيران حميدان، قدموا من قرية دير غسانة قضاء رام الله وكانوا يشاركون حميدان في ديوانهم وضيوفهم.
3- عائلة يحيى: قدموا من دير غسانة
4- عائلة الأعرج: قدموا من دير غسانة كذلك، ولهذا نلاحظ صلة المصاهرة بين هذه العائلات أيام القرية وذلك لأنها تشترك في مكان قدومها.
5- عائلة غيث: قدموا من قرية( المزيرعة) جنوب المجدل.
6- عائلة شهيل: قدموا من قرية كفر عانا
7- عائلة الطريفي: قدموا من دير طريف قضاء الرملة.
8- عائلة الجعافرة
9- عائلة محمود الصالح قدموا من دير غسان.
إذا عدنا إلى وصف داخل القرية فإننا نشاهد أن معظم السكان كانوا في تجمعات يسمى كل تجمع كما ذكر سابقاً (حوش)، يتواصلون فيما بينهم بواسطة طرقات ضيقة ترابية متعرجة تصل كل حوش أو بيت بالآخر.
كانت البيوت تبنى بالحجارة السميكة والكلس وتسقف على شكل قباب منبسطة قليلاً يسمى الواحد منها (بيت عقد) هذا قبل انتشار وتواجد الإسمنت بكثرة، ثم انتقل البناء من الكلس والقباب إلى البناء الجديد بواسطة الحديد والإسمنت، كانت البيوت تبنى على شكل غرف منفردة مفتقرة إلى الطراز الحديث.
يتخلل القرية البساتين (الجنائن) الصغيرة المنتشرة داخلها، ومعظم جهات القرية محاطة بأشجار الصبر ذي الشوك الكبير الذي كان يستعمل سياجاً يصعب تجاوزه فضلاً عن التلذذ بثمره الطيب.
وصف ربيع القرية:
تغنى الشعراء والأدباء بجمال الربيع أينما وجد وشوهد، ولو أنني أجيد دقة الوصف ما بخلت على وصف قريتي في فصل الربيع.
الذين يجيدون الوصف يبهرهم منظر الطبيعة الخلابة ووجود الماء وعذوبته حتى قالوا: الماء والخضراء.
كل ما يحتاج إلى جمال الوصف يتوفر في هذه القرية، فالنهر وانتشار الآبار الارتوازية، وبيارات البرتقال كلها تفيض في نفس الكاتب عبارات وصف الجمال.
إذا نظرنا إلى القرية ومحيطها في فصل الربيع نشاهدها وقد اكتست بحلة خضراء من حولها، حلة قشيبة محلاة ومطرزة بجميع ألوان الزهر.
في هذا الفصل تجود البيارات بأزهار الحمضيات التي تعبق الأنوف بعطرها الفواح الذي ينتشر في جميع أنحاء السهل الساحلي.
إذا نظرت إليها ماذا ترى؟ تراها تجلس على كرسي مرتفع وسط هذا الجمال وكأنها عروس تجلت وقد تحلت بأبهى حلة موشاة بالورود، والعطر يعبق من أزهار البرتقال الفواح، أليس هذا ما تتمناه كل نفس تعشق الجمال؟

رسم خارطة القرية علماً بأن مقياس الرسم تقريبي ولا يمثل المساحات الحقيقية للأراضي
الباب الثالث
الحياة العامة من حيث:
الزراعة، والعمل، والتعليم، والخدمات، والحياة، الاجتماعية والعادات والتقاليد
الحياة العامة:
كان سكان القرية يتمتعون بحياة سعيدة ونفس مطمئنة على أرضهم الطيبة التي كانت تدر لهم لبناً وعسلاً كما يقال، يتنسمون بهوائها العطر الفواح يعيشون بتقاليدهم وقيمهم الرفيعة كمعظم أهل فلسطين على ما تنتجه أراضيهم وبما تكد به أيديهم.
هأنا أغوص فيما ذكر لأستخرج منه بعض ما تسعفني به ذاكرتي إن شاء الله ليطلع عليها قارئي العزيز ويعرف حياة أبيه وجده كيف كانت تحت ظل وطنه وحرارة شمسه، ونور قمره، ووفرة مطره، كيف كان يغني الأهازيج التي يمتع بها نفسه وهو يعمل أو يجلس مع أسرته .
أبحث في الزراعة والعمل والتعليم والخدمات والحياة الاجتماعية من تعاون ومشاركات في الأفراح والأتراح، كل ذلك سأتطرق إليه ولو باختصار فيما يسعني من جهد.
الزراعة:
ذكرت في الباب الأول أن القرية كانت تملك رقعة واسعة من الأراضي الزراعية الصالحة الطيبة المعطاء، معظمها في السهل الساحلي ذي التربة الحمراء الخصبة التي تشبه الحناء الذي يزين الأكف والمعاصم، فكانت تلك التربة الحمراء تزين سطح الأرض وتمنحها الخصب والعطاء، عدا عن المنطقة الجبلية التي كانت مشاعاً تتقاسم العائلات زراعتها.
وبسبب جودة مناخ المنطقة، وتساقط الأمطار الغزيرة عليها، والآبار الارتوازية المنتشرة على أرضها، بالإضافة إلى مياه نهر العوجا الذي نسج على جانبيه جنة خضراء، فقد توفرت للأهالي ثروة زراعية مميزة، عمل فيها قسم كبير من السكان في زراعة الحبوب كالقمح والذرة والسمسم بالإضافة إلى أنواع القطاني مثل الحمص والعدس والكرسنة، ولا ننسى بيارات البرتقال والليمون وأشجار الفاكهة التي كان لها حظ وافر.
كانت وسائل الزراعة في ذلك الوقت بدائية، يعتمدون على الأبقار والخيول في الحراثة، كما يعتمدون عليها في درس المحاصيل التي كانت تجمع على البيادر.
كانت المحاصيل تجنى بأيدي الحصادين الذين كانوا يستعينون بأهازيجهم لتخفيف التعب وبث النشاط في النفوس، بعدها تنقل على ظهور الجمال إلى البيادر.
بهذه المحاصيل كان الزراع والمالكون للأرض يسددون حاجاتهم، وما زاد يذهب إلى الأسواق المجاورة أو يباع في داخل القرية لمن لا يملك أرضاً زراعية تسد حاجته.
أما تربية الماشية فقد كان لها حظ آخر بعد زراعة الأرض، فكانت معظم البيوت لا تخلو من اقتناء بعض الأبقار التي كانت تجمع صباحاً في قطعان يذهب بها الرعاة إلى المنطقة الجبلية، أما تربية الأغنام فقد كان يختص بها أشخاص قليلون مثل آل عمر وحميدان وضمرة، وكانت بأعداد جيدة.
تعيش جميع هذه المواشي على الأعشاب الكثيفة في فصول السنة إلا في الشتاء فقد كان غذاؤها هشيم نبات القمح والشعير (التبن).
كان نتاج هذه الحيوانات من الحليب والجبن والزبدة والسمن يستهلك داخلياً من قبل المالكين، أو يقدمون بعضه هدايا للأصحاب الذين يفتقرون لمثلها.
للنحل نصيب كبير من اهتمام بعض السكان، فقد كانت خلايا النحل تربى في أوعية فخارية كالجرار في الساحات القريبة من البيوت، هذه الخلايا كانت ثابتة لا تنقل إلى أماكن أخرى في فصول السنة وذلك لتوفر الغذاء من أزهار الحمضيات والأشجار والحقول المنتشرة بالقرب من القرية.
من أشهر العائلات التي كانت تهتم بتربية النحل عائلة آل عمر التي كان لها النصيب الأكبر في هذا المجال، وعندما يجنون العسل يأخذون حاجتهم منه وما تبقى لا يبخلون به على الجيران والأصحاب يقدمونه هدايا لهم في أوعية فخارية صغيرة.
هناك مجال آخر في الزراعة يأتي في الدرجة الثانية بعد زراعة الحبوب ألا وهو زراعة الحمضيات كالبرتقال والليمون وكافة أنواعها في بساتين تسمى البيارات هذه الكلمة اشتقت من كلمة بئر وذلك لضرورة وجود بئر ارتوازي لكل بيارة ليمد أشجارها بالماء العذب حتى تسقى وترتوي، وأشجار الحمضيات معروفة بحاجتها إلى كمية وافرة من الماء فسبحان الله القائل ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾.
هذه الحياة التي كانت تتمتع بها تلك الأشجار كانت تمد صاحبها بالنشاط، وحب خدمتها، والأمل الذي يعقده على محصولها.
كان المزارع يذهب مبكراً إلى بيارته بعد أن يستريح ليلته، يحلم بما يرزقه الله منها في الغد القريب، يذهب إليها ليتعهدها بإزالة ما يشاركها ماءها وغذاءها من النباتات الغريبة، ويطفىء ظمأها من الماء الذي كان يحصل عليه من باطن الأرض.
عندما يصل إلى أشجاره أول ما يبدأ به هو تشغيل موتور الماء، وكان يطلق عليه (بابور الماء) الذي يسحب الماء من موطنه في باطن الأرض ويضعه خارجها ليجري في قنوات كالشرايين التي تمد الإنسان بدم الحياة.
تصل هذه القنوات إلى كل شجرة لتطفىء ظمأها، وصاحب الأشجار يلاحق هذا الماء ليعدل به بينها، يتنقل تحت ظل هذه الأشجار وهو يصغي إلى لهاث ذلك البابور وهو يجهد في سحب الماء.
هذا اللهاث يستمتع به المزارع فيعلم أن بابوره لا يزال في خدمته ولم يتوقف يقضي نهاره يعمل ويكدح تملأ قلبه الغبطة والمسرة وهو يشاهد خضرتها ويتنفس رائحة العطر الفواح من أزهارها، يراقب هذه الأزهار والبراعم وقد انتفخت وأخرجت من باطنها الحبة الصغيرة التي تكبر يوماً بعد يوم ثم تصبح حبة بلونها الذهبي الأصفر فيزداد سعادة وأملاً.
وأخيراً يأتي الفرح الأكبر يوم قطف الثمار، يوم تجمع هذه الثمار في كومة بالقرب من البابور ليصفها العمال المهرة في صناديق، لتحمل إلى موانىء فلسطين وخاصة ميناء يافا فترسل سفيرة إلى بلاد الغرب ناقلة ذهب الشرق وخيره، تقول هذا إنتاج دفء الشرق وجمال أرضه، ويطلق عليه الغربيون يافاوي.
بالإضافة إلى المحاصيل الزراعية التي كانت من فضل الله يتذوق طعمها أهل القرية هناك محاصيل أشجار الفاكهة كالتفاح والجوافة والتين والعنب، هذا إضافة إلى الصبر الذي كان يزرع في البساتين داخل القرية أو في محيطها.
بعض السكان كان يهتم بزراعة البطيخ والشمام والخيار ولكن على نطاق بسيط.
نعود قبل أن ننهي كلامنا عن الزراعة لنذكر أنه في السنوات الأخيرة وقبل سقوط القرية، دخلت الوسائل الحديثة لاستخدامها في الحراثة وجني المحاصيل كالجرارات والحصادات، وآلات الدرس (تقوم باستخراج الحبوب من السنابل).
العمل والعمال:
بالإضافة إلى العمل في ميدان الزراعة، كان مجال واسع آخر في ميدان العمل لمن لا يملكون الزراعة والأرض، ولكسب وسائل العيش والحياة الكريمة.
كان لموقع القرية كما ذكرنا على حافة المنطقة الجبلية أهمية كبيرة لاحتوائها على النوعية الجيدة من الثروة الصخرية، التي ترفد المنطقة التي حولها حتى مدينة يافا بما تحتاج إليه من هذه المادة، فشقت المحاجر وأخذت منها الحجارة للبناء ونصبت بجانبها الكسارات التي تطحن هذه الحجارة التي كانت تستعمل في كثير من الخدمات، كما أقيمت معامل الكلس التي تشوي الحجارة وتحولها إلى أكسيد الكالسيوم ومن ثم إلى هيدروأكسيد الكالسيوم أو ما يعرف( بالشيد) هذا الشيد كان بدلاً من الإسمنت يستفاد منه في البناء وفي القصارة بعد مزجه بقليل من المادة الصخرية الناعمة الناتجة من طحن الحجارة بالكسارات.
كانت هذه المحاجر والكسارات ومعامل الكلس كلها، تحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة فقد كان يفد إلى القرية أعداد كبيرة من العمال العرب واليهود، بالإضافة إلى عمال القرية، فكانت الحركة في محيطها أشبه بخلية نحل تنتشر باحثة عن رزقها، وكل يعمل في مجال اختصاصه.
كان نتاج هذه المحاجر والكسارات يرسل إلى مناطق واسعة من فلسطين لعمل البناء ورصف الشوارع والطرقات التي كانت ترصف آنذاك بالحجارة، ثم الإسفلت بعكس ما هو معمول به في تعبيد الشوارع في الوقت الحاضر.
حاول العمال اليهود أن تكون لهم السيطرة على مجرى العمل، وعلى النصيب الأكبر من الأجر، حيث أنهم كانوا ينتسبون إلى جمعية العمال (الهستدروت) اليهودية التي تدعمهم، وكانت تحصل بينهم وبين العمال العرب مشاكل على هذا التمييز، مما حدا بعمال القرية الانضمام إلى جمعية العمال العرب الفلسطينيين ومركزها مدينة حيفا وأسسوا فرعاً لها داخل القرية، يلتقون ويعقدون اجتماعاتهم فيه.
هذا التحول في الارتقاء العمالي أزعج العمال اليهود، فبدأوا بوضع العراقيل أمام خطوات العمال العرب.
هذه العنتريات اليهودية حدت بالعمال العرب اللجوء إلى الإضراب، والتوقف عن العمل، فمنعوا العمال اليهود من القدوم إلى أماكن عملهم في القرية، وبقيت المحاولات لفك الإضراب تبوء بالفشل حتى اندلاع الاشتباكات بين الفلسطينيين والعصابات اليهودية، إلى أن سقطت القرية في أيديهم.